يواصل الحكم الصومالي عمر أرتان كتابة التاريخ في كرة القدم، بعدما تحول خلال السنوات الأخيرة من حكم ينتمي إلى واحدة من أقل الدول حضورًا على الساحة الدولية في مجال التحكيم إلى أحد أبرز الوجوه الأفريقية، ليصبح أول حكم غير أوروبي يتولى إدارة مباراة كأس السوبر الأوروبي.
وسيكون أرتان، البالغ من العمر 34 عامًا، على موعد مع محطة جديدة في مسيرته عندما يقود مباراة كأس السوبر الأوروبي بين باريس سان جيرمان الفرنسي وأستون فيلا الإنجليزي بعد غد الأربعاء في سالزبورغ، بعدما شهدت الأشهر الـ18 الماضية سلسلة من الإنجازات غير المسبوقة للحكم الصومالي.
وخلال تلك الفترة القصيرة، أصبح أرتان أول حكم صومالي يدير نهائي دوري أبطال أفريقيا، قبل أن يحصل على جائزة أفضل حكم في أفريقيا لعام 2025، ثم يتم اختياره ضمن حكام كأس العالم 2026.
لكن حلم المشاركة في كأس العالم اصطدم بعقبة لم تكن في حساباته، بعدما تم منعه من دخول الولايات المتحدة، ليتعذر عليه المشاركة في البطولة التي كان قد حصل على فرصة التحكيم فيها.
وقال أرتان عن تلك الفترة: «كانت فترة صعبة للغاية. الكثير من الناس تعاطفوا معي، لأنه عندما يعمل شخص لسنوات طويلة ويكون من المفترض أن يقوم بشيء ما، ثم لا يستطيع القيام به، فإن الأمر يكون صعبًا للغاية. لكنني أقدر حقًا الدعم الذي تلقيته من جميع أنحاء العالم، وأنا ممتن له للغاية».
ورغم خيبة الأمل، فإن مسيرة أرتان نفسها تمثل قصة من الكفاح، فقد توفي والده في سن مبكرة بشكل مأساوي، ونشأ بعيدًا عن والدته، ما جعله يعتمد على نفسه منذ سنواته الأولى.
وبدأت علاقته بالتحكيم في سن مبكرة، بعدما تعرض لإصابة بسيطة أثناء ممارسة كرة القدم، لتدفعه تلك الإصابة إلى التفكير في التحكيم بدلًا من الاستمرار في اللعب. ومن المباريات غير الرسمية في الأحياء والمباريات المصغرة، انتقل إلى إدارة مباريات المدارس، قبل أن يجد نفسه في النهاية حكمًا في الدوري الصومالي.
ونقل الموقع الرسمي للاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا» عن أرتان قوله: «كنت محظوظًا، لكنني عملت بجد شديد للوصول إلى هنا، وأنا فخور جدًا بذلك. وكما يمكنكم أن تتخيلوا، نشأت في ظروف صعبة، لكن ذلك لم يمنعني من السعي وراء أحلامي».
ويؤكد الحكم الصومالي أن الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «كاف» كان له دور أساسي في تطور مسيرته، مشددًا على أن الدعم الذي حصل عليه ساعده على الوصول إلى هذه المرحلة.
وقال: «أنا ممتن جدًا للاتحاد الأفريقي لكرة القدم على دعمه وتقديره، ومن دونه لم يكن هذا الأمر ممكنًا».
وانضم أرتان إلى قائمة الحكام التابعين للاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» في عام 2018، قبل أن يصبح في 2024 أول حكم صومالي يدير مباراة في كأس أمم أفريقيا، ليواصل منذ ذلك الحين تحطيم الأرقام القياسية وفتح الطريق أمام حكام آخرين من بلاده والقارة الأفريقية.
وجاء اختيار أرتان لإدارة كأس السوبر الأوروبي في إطار التعاون المتزايد بين «يويفا» و«كاف»، بعد توقيع مذكرة تفاهم بين الجانبين في نهاية أبريل/نيسان الماضي لتعزيز التعاون في عدد من المجالات، من بينها التحكيم.
وقال باتريس موتسيبي، رئيس «كاف»، عن اختيار أرتان: «هذا شرف كبير لعمر أرتان وللحكام الأفارقة. إنه مثال ممتاز على قدرة كرة القدم على جمع الناس وتوحيدهم».
ويضم طاقم التحكيم المساعد لأرتان في مباراة كأس السوبر الأوروبي ليبان عبد الرزاق أحمد من جيبوتي وستيفن إليزار أونيانغو ييمبي من كينيا، بينما سيكون السلوفيني رادي أوبيرينوفيتش الحكم الرابع، ويتولى الإيطالي ماركو دي بيلو مسؤولية تقنية حكم الفيديو المساعد «فار»، بمساعدة الإسباني جيليرمو كوادرا فرنانديز.
وبالنسبة لأرتان، فإن ظهوره في كأس السوبر الأوروبي يمثل أول مباراة له في القارة الأوروبية، وهي تجربة ينظر إليها باعتبارها فرصة للتعلم والاستفادة من مستوى التحكيم الأوروبي.
وقال: «ستكون هذه أول مباراة لي في أوروبا. خوض المغامرات، وصنع الذكريات، وتعلم أشياء جديدة أمر رائع دائمًا».
وأضاف: «بالنسبة لي، من الرائع أن يعمل الاتحاد الأفريقي لكرة القدم مع الاتحاد الأوروبي، وهو أفضل اتحاد قاري في العالم بالنسبة للحكام. المستوى في أوروبا رائع، وكرة القدم التي يقدمونها جيدة جدًا. أعتقد أن الحكام الأفارقة يمكنهم التعلم كثيرًا من الاتحاد الأوروبي، كما يمكن للحكام الأوروبيين أيضًا التعلم كثيرًا من الاتحاد الأفريقي. إنها استفادة متبادلة».
وأوضح: «أنا فخور بتعييني لإدارة هذه المباراة الكبيرة. أود أن أوجه شكرًا كبيرًا إلى الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، وكذلك إلى رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم وكل شخص في الاتحاد».
وتلقى أرتان خبر اختياره لإدارة كأس السوبر الأوروبي في بداية يونيو/حزيران الماضي، بعد فترة قصيرة من عودته من الولايات المتحدة، ليشكل التعيين لحظة استثنائية بالنسبة له ولعائلته ولأبناء الجالية الصومالية في أوروبا.
وقال: «عندما تلقينا هذا الاتصال، كانت لحظة سعيدة جدًا بالنسبة لي ولعائلتي. هناك جالية صومالية كبيرة في أوروبا وفي النمسا، وهم سعداء للغاية لأنني سأدير مباراة بهذا الحجم».
ولم يكتف أرتان بالاعتماد على تاريخه وخبرته، بل واصل استعداداته للمباراة من خلال إدارة مباريات في الدوري الصومالي، كما أدار في نهاية يونيو/حزيران الماضي مباراة حسم لقب الدوري الكويتي الممتاز، في إنجاز جديد كان الأول من نوعه في مسيرته.
ويتعامل الحكم الصومالي مع مهمته في كأس السوبر الأوروبي بجدية كبيرة، إذ بدأ بالفعل دراسة الفريقين المشاركين في المباراة وطريقة لعبهما وسلوك اللاعبين وتفاصيلهما التكتيكية.
وأوضح: «نحن الحكام نقوم بالكثير من التحضيرات من أجل التعرف على الفرق. أشاهد دائمًا مباريات الفرق التي سأدير لها المباريات. أحب مشاهدة كرة القدم الأوروبية على أي حال، لكنني أحرص في كل الأحوال على إجراء الكثير من الأبحاث حول الفرق، وكيف تلعب، ومعرفة سلوكها وخططها التكتيكية والكثير من التفاصيل الأخرى».
ولا ينظر أرتان إلى رحلته باعتبارها قصة شخصية فحسب، وإنما يسعى إلى تحويلها إلى رسالة لكل من يحلم بالوصول إلى أعلى المستويات، خصوصًا الحكام الشباب الذين قد تبدو الطريق أمامهم أكثر صعوبة بسبب الظروف أو البيئة التي نشأوا فيها.
وقال: «أؤمن بأنه إذا كنت أنا قادرًا على النجاح، فإن أي شخص يستطيع ذلك. يمكنك أن تفعل أي شيء تريده. لا تتوقف أبدًا عن الحلم. إذا كنت تريد أن تصبح حكمًا، فهذه أفضل مهنة يمكن أن تختارها. لذلك اسع وراء حلمك وقم بذلك، ولا تتوقف، بغض النظر عما يحدث، وبغض النظر عن الأشخاص الذين يحاولون منعك من أداء عملك».
وأضاف أرتان: «تعلم أشياء جديدة كل يوم، وطوّر مهاراتك، والأهم من ذلك، كن عادلًا ومتسقًا».
وبينما يستعد الحكم الصومالي لدخول ملعب المباراة في سالزبورغ، سيكون ظهوره في كأس السوبر الأوروبي أكثر من مجرد مباراة جديدة في مسيرته؛ فهي محطة أخرى في رحلة بدأت من مباريات الأحياء في الصومال، ومرت عبر الملاعب الأفريقية والعربية، وصولًا إلى واحدة من أهم المباريات السنوية في كرة القدم الأوروبية.
وبالنسبة لأرتان، فإن الوصول إلى هذه المرحلة يحمل رسالة واضحة: الظروف الصعبة قد تجعل الطريق أكثر تعقيدًا، لكنها لا يجب أن تكون سببًا للتخلي عن الحلم.

كسوة الكعبة المشرفة
الفيصل يضخ المياه العذبة ويؤسس للجامعات في محافظات المنطقة / نبراس - إنتصار عبدالله
تصحيح أوضاع 249 ألف برماوي خلال عامين أطلقها الأمير خالد الفيصل عام 1434هـ


