• ×

قائمة

Rss قاريء

قمة بوتين ـ شي: من شراكة المصالح إلى خرائط العالم الجديد

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
متابعات - نبراس 

في خطوة لم تكن مفاجئة في جوهرها، ولكنها تحمل رسائل مبطنة حول إنهاء القطبية الأحادية، شهدت قمة بكين توقيع الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين، والصيني شي جين بينغ، وثيقة سياسية وتاريخية شاملة تؤسّس لنظام عالمي متعدد الأقطاب وأكثر عدالة، أصبح إعلاناً سياسياً واستراتيجياً بأن العالم يشهد مخاضاً عسيراً لنظام دولي جديد، ولم يعد صناعُه في واشنطن وحدها.ما يبعث برسالة حازمة لواشنطن مفادها أن الشراكة بين موسكو وبكين باتت حجر الأساس لنمط دولي جديد يتشكل عمليّاً على وقع الأزمات الراهنة ويعيد موازين القوى بعيداً عن الهيمنة الأمريكية المنفردة.

ورغم تأكيد الكرملين أن الزيارة جرى الترتيب لها منذ أشهر، فإن تزامنها شبه المباشر مع زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منحها دلالات تتجاوز الطابع البروتوكولي، لتبدو وكأنها رسالة روسية واضحة تؤكد متانة الشراكة مع بكين، وتقطع الطريق أمام أي انطباع بإمكانية حدوث اختراق أمريكي في العلاقة الصينية – الروسية.

شراكة استراتيجية
يرى محللون أن المشهد المتسارع لزيارتي ترامب ثم بوتين إلى بكين خلال أيام قليلة يعكس تحوّل الصين إلى «مركز الثقل» في النظام الدولي الجديد، باعتبارها القوة الوحيدة القادرة على الحفاظ على علاقات مؤثرة مع القوتين المتنافستين في آن واحد، في وقت يشهد فيه العالم إعادة تشكيل واسعة للتحالفات والتوازنات الدولية.

ويؤكد خبراء في العلاقات الدولية أن روسيا تنظر إلى الصين باعتبارها الشريك الاستراتيجي الأهم في مواجهة الضغوط الغربية والعقوبات الاقتصادية والعزلة السياسية التي تقودها الولايات المتحدة وحلفاؤها منذ اندلاع الحرب الأوكرانية.ولذلك حرصت موسكو على أن تأتي زيارة بوتين سريعاً بعد زيارة ترامب، لإظهار أن العلاقة الروسية – الصينية لا تزال متماسكة وعميقة، وأن بكين لن تكون بعيدة عن التنسيق مع الكرملين في الملفات الكبرى.

ويشير مراقبون إلى أن موسكو تدرك حساسية أي تقارب محتمل بين واشنطن وبكين، خاصة إذا ارتبط بملفات الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والأمن الدولي، لذلك تسعى إلى تثبيت معادلة تقوم على تعميق الشراكة السياسية والاقتصادية والعسكرية مع الصين، ومنع أي محاولة أمريكية لفصل بكين عن موسكو أو إضعاف هذا المحور المتنامي.

أهمية استثنائية
وفي هذا السياق، يرى أستاذ العلاقات الدولية ومدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية ديميتري بريجع، أن زيارة بوتين تكتسب أهمية استثنائية في ظل التصعيد المتزايد بين روسيا وأوكرانيا، وجاءت في توقيت حساس بعد أيام فقط من زيارة ترامب، ما يعكس حجم التنافس الدولي على كسب الموقف الصيني.ويؤكد بريجع أن اللقاء بين بوتين وشي لا يقتصر على الجوانب السياسية، بل يشمل ملفات استراتيجية واقتصادية عميقة، أبرزها مشاريع الطاقة وخط «قوة سيبيريا»، والتعاون في المعادن النادرة والتجارة والممرات البحرية، إضافة إلى التطورات المرتبطة بالتصعيد في الشرق الأوسط ومضيق هرمز.

ويشير إلى أن موسكو وبكين تدركان جيداً أن أي اضطراب واسع في المنطقة سينعكس مباشرة على مصالحهما الاقتصادية والطاقة وسلاسل الإمداد.ويضيف أن روسيا أصبحت أكثر احتياجاً للدعم الاقتصادي الصيني مع تزايد الضغوط الغربية واستهداف منشآت الطاقة والبنية الصناعية الروسية في الحرب الأوكرانية، الأمر الذي يدفع موسكو إلى توسيع شراكتها مع بكين اقتصادياً وتقنياً وحتى عسكرياً،

من خلال تبادل الخبرات والتكنولوجيا وأنظمة الدفاع.ويرى بريجع أن الصين تفضّل الحلول الدبلوماسية وتسعى إلى منع اتساع الصراعات، لكنها في الوقت نفسه تستفيد اقتصادياً من علاقتها مع روسيا، سواء عبر الحصول على النفط والغاز الروسي بأسعار تفضيلية، أو عبر تعزيز حضور الشركات الصينية في الأسواق الروسية بعد تراجع الدور الأوروبي منذ عام 2022. و

يختتم بالقول إن بكين باتت تمثل بالنسبة لموسكو شريكاً اقتصادياً واستراتيجياً لا غنى عنه في مواجهة التحولات الدولية الحالية.براغماتية صينيةويرى خبراء آخرون أن الصين تتعامل ببراغماتية شديدة مع المشهد الدولي، إذ تحاول الحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع روسيا، دون الوصول إلى قطيعة شاملة مع الولايات المتحدة، خاصة في ظل الترابط الاقتصادي الهائل بين بكين وواشنطن.

إدارة توازنات
ويؤكد محللون أن القيادة الصينية تدرك أن المرحلة الحالية تتطلب إدارة دقيقة للتوازنات تسمح لها بتعزيز نفوذها العالمي دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع الغرب.كما يؤكدون أن استقبال بكين لترامب ثم بوتين خلال أقل من أسبوع منح الصين فرصة نادرة لإظهار موقعها كقوة دولية قادرة على التحدث مع جميع الأطراف الكبرى، وتعزيز صورتها كـ«القوة المرجّحة» في النظام العالمي المقبل.

صراع إرادات
إلى ذلك، يرى خبير العلاقات الدولية محمد شكريد، أن التعاقب السريع للقمم الدولية في بكين يكرّس الصين كمركز ثقل جيوستراتيجي عالمي، موضحاً أن زيارة بوتين بعد أيام من محادثات ترامب مع القيادة الصينية لا يمكن فصلها عن صراع الإرادات الدولي لإعادة صياغة النظام العالمي.

ويؤكد شكريد أن المغزى الأساسي للزيارة يكمن في تثبيت صلابة المحور الروسي – الصيني في مواجهة أي محاولات أمريكية لخلخلة هذا التحالف، مشيراً إلى أن تعميق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين يمثل رسالة مباشرة لواشنطن بأن قواعد التعددية القطبية باتت واقعاً يصعب تجاوزه.أما على الصعيد الأمني والاقتصادي، فيلفت إلى أن التحرك الروسي – الصيني يأتي استجابة مباشرة للاختناقات الجيوسياسية الراهنة، لا سيما اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وأزمات الطاقة العالمية،

حيث تسعى بكين إلى تأمين احتياجاتها الحيوية عبر خطوط إمداد مستقرة، بينما تجد موسكو في الأسواق الآسيوية بديلاً استراتيجياً متكاملاً عن الأسواق الأوروبية.تكريس التعددية القطبية

ويرى محللون أن موسكو وبكين تسعيان من خلال هذا التقارب إلى تكريس مفهوم «التعددية القطبية»، في مواجهة النظام الأحادي الذي تقوده الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة، خصوصاً مع تزايد قناعة القوى الصاعدة بأن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة من التنافس على النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي والجيوسياسي.

وفي المقابل، تراقب واشنطن بقلق متزايد تنامي التعاون الروسي – الصيني، خاصة مع تصاعد التنسيق العسكري والاقتصادي بين البلدين واحتمالات تحوله إلى محور أكثر تنظيماً في مواجهة السياسات الغربية، وهو ما قد يعيد تشكيل ملامح الاستقطاب الدولي، ولكن بصيغ أكثر تعقيداً من حقبة الحرب الباردة.
للتقييم، فضلا تسجيل   دخول
بواسطة : admin123
 0  0  38

التعليقات ( 0 )