على امتداد صفحات المجد والتاريخ، تبرز "أبرق الرغامة" كشاهدٍ حيّ على أصالة المكان وعظمة الإنجاز، متجاوزةً كونها مجرد مساحة جغرافية تتوسد الأرض.
وهذه البقعة العريقة، التي استمدت اسمها من حجارتها البرقاء وتربتها الذهبية، لم تكن يومًا مجرد نقطة عبور عابرة، بل كانت حضنًا دافئًا لقوافل الحجيج عبر العهود، ورمزًا خالدًا للحظات فارقة في تاريخ توحيد المملكة العربية السعودية على يد الملك عبدالعزيز آل سعود -طيب الله ثراه-، واليوم، تخلع هذه الأرض ثوب الماضي لتتزين بمشاريع تنموية حديثة، محتفظةً بروحها الإستراتيجية كبوابةٍ ترحب بضيوف الرحمن.
من قلب "أبرق الرغامة"، تتفرع شرايين الحياة متمثلة في شبكة متنوعة من الطرق السريعة والمزدوجة تشرف عليها الهيئة العامة للطرق، لتنطلق نحو 7 دول بمسارات مباشرة لا تعرف الانقطاع، فهي تمد أذرعها جنوبًا نحو اليمن، وشرقًا لتصافح الإمارات وقطر والبحرين، بينما تتجه شمالًا صوب الأردن والعراق، وشمالي شرق نحو الكويت، إنها ليست مجرد محطة، بل هي حلقة وصل تربط مكة المكرمة بالمدينة المنورة، دامجةً بين أصالة الماضي وعمق التاريخ وآفاق المستقبل الواعد.
وتنساب الطرق من "أبرق الرغامة" بسلاسة لافتة عبر الشريط الساحلي المزدوج، لتربط عروس البحر الأحمر جدة بالليث وجازان وصولًا إلى الحدود اليمنية، محققةً عناقًا جغرافيًا مع مناطق عسير ونجران في أقصى الجنوب، وفي الاتجاه المعاكس، تشق الطرق طريقها شمالًا نحو الأردن، مارةً بالمدينة المنورة وحائل، لتبلغ الحدود الشمالية والجوف، أو تتخذ من الساحل مسارًا نحو العقبة مرورًا بتبوك، في لوحة هندسية تجمع بين شموخ الجبال وانبساط السهول، وبين دفء الجنوب ونسائم الشمال.
ولا يقف إحكام الربط عند هذا الحد، بل يمتد عبر شبكة الطرق السريعة ليلامس جديدة عرعر في الشمال صوب العراق، ويتصل بالكويت عبر مسار يمر بالمدينة المنورة والقصيم وحفر الباطن، منتهيًا عند منفذ الرقعي، ويتجلى الوصال مع البحرين عبر شريان سريع يقطع مكة المكرمة والطائف والرياض، وصولًا إلى المنطقة الشرقية حيث ينتصب جسر الملك فهد كشاهد على التلاحم, أما الطريق إلى قطر والإمارات فيمر عبر واحة الأحساء، لتكتمل بذلك دائرة الوصل التي تجمع أرجاء الوطن، من شرقه إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه.
لقد كانت "أبرق الرغامة"، بطبيعتها الخلابة، ممرًا تاريخيًا حيويًا تسلكه قوافل الحجاج المتجهة من جدة إلى مكة المكرمة، تلهج فيه الألسن بالتلبية وتخفق القلوب شوقًا للبيت العتيق, ومع انبلاج فجر توحيد المملكة، شهدت هذه البقعة تحولات جذرية، حيث نبتت فيها المراكز الحضارية والتجارية، لتتحول من ممر للقوافل إلى جزء نابض بالحياة من نسيج مدينة جدة المعاصر.
هكذا تقف "أبرق الرغامة" اليوم، شامخةً كرمز يجمع بين عبق التاريخ وروعة العمران، تروي لضيوف الرحمن قصة أرضٍ لا تعرف سوى العطاء والارتقاء.

كسوة الكعبة المشرفة
الفيصل يضخ المياه العذبة ويؤسس للجامعات في محافظات المنطقة / نبراس - إنتصار عبدالله
تصحيح أوضاع 249 ألف برماوي خلال عامين أطلقها الأمير خالد الفيصل عام 1434هـ


