• ×

قائمة

Rss قاريء

قناصة بارعة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

أميمة عبد العزيز زاهد - جدة
image

قال: عشت في الغربة سنوات، حصلت خلالها على الماجستير والدكتوراه، تعبت، وكافحت، عملت في المطاعم والفنادق، وتحملت الكثير، كنت أفتقد أهلي وأصدقائي في كل لحظة، سنوات كان قلبي فيها خالياً، وظلت مشاعري بكراً، فقد كنت أنتظر المحبوبة المجهولة التي سأهبها روحي وعقلي، وأفديها بكل ما أملك، وانتظرت بكل صبر أن يزورني الحب ويسكن أعماقي، وعدت إلى وطني، وبعد فترة وجدت حلم حياتي، الذي طالما حلمت به، وهمس لي قلبي لأول مرة بأنها هي من كنت أبحث عنها، فحبي لها كان نابعاً من عقلي، فتغلغل في كياني، وتشعّب في جوارحي، كان حباً صادقاً طاهراً، حباً ملك فؤادي، وسيطر على مشاعري، ويا لسعادتي عندما أحبتني كما أحببتها، وفهمتني كما فهمتها، وأعطتني كما أعطيتها!!

وأخبرت كل الناس؛ أمي، أبي، إخوتي، أهلي.. بأنني أحب أسطورة زلزلتني، واستخرجت مكنون أعماقي، وعشت معها كل معاني الحب، كنت أرى في عينيها كل ما قاله نزار قباني في أشعاره من «زيديني عشقاً... الرفاق حائرون... عيناك عصفورتان دمشقيتان... هل قلت إنِّي أحبك.. هل قلت إنِّي سعيد لأنك جئت؟ وإنَّ حضورك يدهش مثل حضور القصيدة ومثل حضور المراكب والذكريات البعيدة!».. واتفقنا على إعلان يوم زفافنا، وقررت أن يكون حفلنا يوم مولدي؛ لأنني كنت أريد أن أكتب على بطاقات الدعوة قصيدة نزار:

تسألني حبيبي عن عيد ميلادي

سجل لديك إذن ما أنت تجهله

تاريخ حبك لي... تاريخ ميلادي

وكتبت لها في البطاقة «أحبك بكل لغات العالم»، فكنت أحاول أن أقولها بكل طريقة ممكنة، كيف وكم أحببتها، ولكن فجأة ودون سابق إنذار؛ أرسلت من يبلغني بخبر اغتيالي، فاجأتني ولم تمهلني، ودون إشعار تغيرت كما الإعصار، فبدأت النهاية، وقامت بتطبيق مبدأ الحرمان، أهملتني، هربت منها إليها، واجهتها؛ فما زادها إلا عناداً وهجراناً.

عاتبتها، ذكّرتها بمشاعري، ذكّرتها بحلمنا وحاضرنا وبمستقبلنا وطموحنا...

ذكّرتها بأدق التفاصيل التي خططناها معاً، واسترجعت كلماتها كلمة.. كلمة. توسلت إليها أن تصارحني.. لماذا تركتني؟ ماذا يا ترى فعلت؟ هل ظلمتها؟ هل أسأت إليها أو جرحت مشاعرها؟ ولماذا صوبت سهماً مسموماً إلى قلبي، سهماً رمته قناصة بارعة فأصابت الهدف؟!

سألتها وقلبي ينزف: هل مات حبها فجأة كما ولد فجأة؟ وهل ماتت بداخلها كل تلك المشاعر والأحاسيس والعواطف التي كانت تبثها لي؟

وفي النهاية، وجدت نفسي عاجزاً عن تنفيذ حكمها الذي نطقت به! تُرى لماذا يدق علينا باب الفراق ونأبى إلا أن نقوم بفتحه، فأوراقي القديمة تأبى أن تتركني أمضي لحال سبيلي، وفي كل مرة أعتقد أنني استأصلتها من تاريخي، تعود إليّ لتنقلب عليّ وتبعثرني وتسخر مني ومن قناعاتي.

وفي كل مرة يتجدد فيها اغتيالي، أفتح صيوان عزائي، وأجلس فيه وحيداً مع كل تلك الذكريات، وأدعو ربي أن يساعدني على نسيانها.


بواسطة : الأستاذة اميمة زاهد - جدة :
 0  0  242

التعليقات ( 0 )

آخر الأخبار