• ×

قائمة

Rss قاريء

لوعة مظلوم

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الأستاذة فتحية منديلي

قد يهوي خنجراً على صدر أحدهم أمامك وأنت لا تدري من الذي رمى به ولا تعلم من الذي هوى به ، فتشير إليك أصابع الاتهام أنك أنت من أصدره وأنت من أرسله ، فتتهم بجريمة لم تكن أنت جانيها ويطلب منك الحق فيها رغم أنه لم يكن لك أي ذنب فيها، فتلبس بإثرها ثوبا مدنسا ليس لك ولم تشتريه قط ولم تقتنيه من قبل فيترك فيك كآبة تزاحم أنفاسك وتحبس دموعاً وسط أحداقك تئن مشاعرك ألما وينزف أحساسك دماً يزلزل قوى التوازن في إنفعالاتك تعصف بك سحابة سوداء مظلمة بكل قواك تنهرك غيوم ملبدة تعكر لك صفوك وتبعثر لك فكرك تنظر فيما يحيطك بذهول وترى كل ماحولك بهموم حينها تصرخ بأعلى صوتك وتقول ( أقسم بالله العظيم إني برئ ليس لي علاقة بما وقع وليس لي دخل بما حدث ) فيذبحك الألم ويعتريك الندم عندما تلهث خلف من لا يصدقك وتجري وراء من لم يعبرك ، ولم تجد حولك من يساعدك ويبعد عنك كل من أراد أن ينقذك ، وبعد ذلك كله تزج بك نفسك اللوامة إلى قفص الاتهام فتهوى مرة أخرى كالقتيل على أعتاب خالقك العليم الذي لاتخفى عليه خافية ويعلم كل مافي الكون من هاوية هو من يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء هو من يسمع كل أنين وياخذ بحق كل ميئوس ويؤزر بالنصر كل مظلوم وينزه بالبرأة كل مغلوب ،

كلمات ترفعها إلى باريك، تُنسل من قلبك الذي كواه الألم وأشقاه الوله وعين أوجعها زرف الدمع وأحدقها فجع اليأس، حينها لاتملك سوى أن تقول : ( إنما أشكو بثي وحزني إلى الله)

لعلك وأنت تعيش لوعة هذه اللحظات الأليمة وتحس مرارة هذه الحسرة الدفينة لهذا الجرم الذي نسب إليك وأنت منه براء؛ هنا أقول لك لاتيأس وأعلم أن الله معك في كل حينه ويتابعك كل أوينه ، فهو لم ينئيك عنه قط ويتابعك على طول الخط ، لأنه هو الحق هو العدل المغيث لكل منكوس وهو المبرىء لكل مظلوم ، كما حبا حبيبنا رسول الهدى بالبراءة من فوق السماوات السبع .

تلك اللحظات الأليمة لم تعشها وحدك بل عاشتها أيضا بنت الصديق في حادثة الأفك ترُمى بالفاحشة وهي العفيفة الطاهرة تهوى عليها الطعنات من كل جانب ، منهم من تكلم ومنهم من همزها باللوم ومنهم من رمقها بالشك ومنهم من ودود بالطعن ، اجتمع عليها ألم جسدها المثقل بالحمى وألم مارميت به لتنجرف في دوامة من الهموم وهتير الغيوم تفتت كبدها من شدة البكاء ولم تكتحل عيناها النوم وطرق إحساسها لوعة الضيم، جافاها حبيبها صلاوات الله وسلامه عليه بعدأن كان يلاطفها عندما يصيبها الداء فزاد ذلك في نفسها حزناً وضاعف في مشاعرها حسرة ، يتهدج الألم في صدرها وتحجر العبرة في عينها فتقول لمن حولها إني والله أعلم أنكم سمعتم حديثاعني تحدث به الناس وأستقر في أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم إني بريئة لم تصدقوني ولئن أعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بعيدة لصدقتوني ولكني لاأقول إلا كما قال أبا يوسف ( فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ) فوالله مارام الرسول صلى الله عليه وسلم مجلسه حتى نزلت براءتها من فوق السماوات السبع فهل نخشى بعد ذلك ظلماً ؟

وهل تخاف بعد هذه المعجزة هضما ؟ إلى كل من وقف في مثل هذا الموقف أخبرني بربك أليس الله هو العدل الرحيم ؟ أليس الله هو من أقام السماوات والارض السبع بالعدل ؟ أليس الله هو من حرم الظلم على نفسه وجعله بين العباد محرما ؟ أليس الله هو من أقتص من الشاة القرناء للشاة الجلحاء ؟ أليس الله من تجتمع عنده الخصوم فيأخذ لكل ذي حق حقه ؟ فما أعظمه من رب وما أعدله من حق وما ألطفه من خالق وما أكرمه من عاطي ؛

( فياأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه) تعرف على ربك في الرخاء لن ينساك في الشدة وفوض أمرك إليه في كل حدث يسخرك بلطف غير متوقع ، وكن على ثقة بعدله يجزيك تفريجاً لكربك ، وأرضى يقيناً بقدره ينصرك أكيداً في عسرك ، وأحمده شكراً لوهبه يسبغك فائض من نعمه ( وأعلم أن لو أجتمعت الإنس والجن على أن يضروك بشئ لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله لك ) عدل وأي عدل ؟أتخشى بعد ذلك أن تظلم تهماً ؟ أو تخاف بعد ذلك أن تهضم حقاً ؟ لا والله والذي رفع السماء بلا عمد أن كل مخلوق تحت كنف الله بلا جدل وكل مورود بعلم الله بلا عدد وكل موقوع بأمر الله بلا قدر وكل مظلوم سيؤزر بنصرالله وإن طال الأمد فما أعظم عدلك وماأوسع رحمك ياالله .


بواسطة : فتحية منديلي
 0  0  308

التعليقات ( 0 )

آخر الأخبار