• ×

قائمة

Rss قاريء

عشبٌ أصفَر

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
عشبٌ أصفر
ليست نظرة تشاؤمية أو سوداوية فالوضع المُعاش ملموس و مؤسف من جوانب عدة ويحمل في عمقه مستقبل مخيف وقادم مرعب وهو الظاهر شكلا والواضح عمقاً .
فالناطحات الشاهقة التي ارتقت هامات السحب نطحتْ بالعقل العربي برمته ودحرجتهُ نحو الهاوية , وهذا واقع يجب أن نعترف به كمجتمع عربي مناطٌ به قيادة مسارين متوازيين ( نهضة عِلم وحضارة قيَم ) .
فرغم الثراء وسيول الأموال التي اجتاحت المنطقة وأسبغَتْ بالخيرات ومع ذلك لم تستطع الحكومات ولا المنظمات التربوية أن ترتقي بالنهضة العربية بجوانبها المهمةِ العلمية والفكرية ولو عتبة واحدة ولم تستطع مع كل الوسائل المتاحة لها مواكبة الثورة العلمية التي اجتاحت العالم وعجلتها السريعة رغم وجود محاولات أحادي الرقم ولا تصل إلى مستوى التأشير كقدوة تُحْتذى .
وانحصر التنافس فقط في البناء والتعمير ما فوق الأرض , وقد يعزو ذلك إلى أن الثروة لم تُطل الفئة الدنيا من الناس فالثروة لم تنفع سوى الحكومات والأثرياء الذين احتجزوا الأموال لمصالحهم الخاصة مع طلب الاستزادة ناهيك المخصصات البسيطة والميزانيات الجزئية التي تخصصها الدولة للشعوب ولكن لا تصب كفايةً في مصلحة بناء العقول ولا المستقبل الاجتماعي وأعتقد أن الأثرياء وسياسات التقنين وقلب الأولويات في التخطيط وفقد الرؤية المستقبلية هي عوامل رئيسية تمنع تطور الشعوب العربية نهضة وحضارة .
يجب أن نعترف ونكون صادقين أن هناك قصور في بناء العقول العربية من خلال سياسة أحادية الجوانب وهذا ما أوقع الحكومات في مأزق التخلف والثورات والحروب الأهلية والإرهاب ولا أدري إن .. " التضييق " على العقل العربي عملية مقصودة من الداخل أم هو أجندة خارجية يتم تمريرها إلى الداخل بخطة مُحْكَمة !
العقل العربي بعد قطع الماء عنه أصبح يعاني الحاجة لكي يتنفس ويعيش على أقل تقدير وهو ما خطط له من قبل الغرب حتى لا يتوسع الفكر العربي وينهض وينمو ويتولى القيادة .
وما يحدث في واقعنا المعاصر هو توجيه مصطنع فجل اهتمامات العقل العربي موجه إلى حياته اليومية حيث تم ضرب مركز الأولويات في عقولنا سواءً سياسات التخطيط أو أحلام الشعوب أو حتى إمكانات الأفراد ومن ثم تعتيم المفاهيم.
الخطة مدروسة بحنكة متناهية من الغرب لتجريد العرب من المبدعين وهناك خطط لاحتكار المبدعين العرب من قبل المنظمات الغربية بتقديم الدعم التام لهم وتجهيز البيئة المناسبة بينما في الجهة الثانية فسياسة أنظمتنا ما زالت تسُن قوانين معيقة لتفعيل العقل وتحد من الإبداع , منها عدم توفير البيئة الإبداعية المناسبة ومساحة العمل المتاحة , مما خلقتْ هذه السياسة تهجير العقل العربي المبدع وترحيله للخارج , كما خلّفت وراءها بيئة مناسبة لتفشي الفقر حتى أصبح الفقير صيدا للمنظمات المختلفة وتوظيفه حسب برامجها , وفراغ العقول أيضاً يتم استغلاله بتشغيله وأدلجته ضد القيم .
ورغم الثروات الطائلة والسبل المتاحة للنهضة في عالمنا العربي أرى أن تلك الثروة لم تستغل بالشكل الصحيح في بناء البيئة التي تستطيع قيادة نهضة وصناعة حضارة بل العكس تماماً حيث سُنّت القوانين والأنظمة التي زادت الضغوط على الفرد والمجتمع حد الانفجار ,
وكان لهذه السنن والقوانين الدور الأساسي في صناعة فكر الثورات والحروب الأهلية الطاحنة التي تعاني منها الشعوب العربية وهو نتاج طبيعي آلَ إليه المجتمع كمضاد لسياسات التفرد والقمع والتغييب والتجاهل ,
وهذه السياسة أسهمَت في تكوين الجماعات المعارضة والتنظيمات الإرهابية والفكر الانفرادي ( نفسي نفسي ) فالفقر والجهل عاملان رئيسيان في تبديد واستبداد القيَم والأخلاق وها نحنُ نعاني الأمرين كنتيجة طبيعية .
هذه الفوضى العارمة في المنظومة العربية مردها فوضى في التخطيط الاستباقي فرغم أن الثروة أعتلت السحاب ولكن على حساب العقول فهي تجف من خصوبة ,
وواقعنا المزري واهتمامنا بالشكليات أفقدنا جوهر المضمون , والسعي خلف الكماليات أفقدنا مفكرة الأولويات في مجمل حياتنا ,
والمشهد شاهدٌ على نفسه وبيانٌ واضح على أن الثروة تُبدد فوق السحاب حيث لا زرع ينبُت وتحت الأقدام حيثُ لا كلأ ينمو , بينما العقل الذي يتوسطهما مغيّبٌ تماماً أو يُركَلُ بين ناطحة وسائبة , حتى أصبح الشعب العربي كـ " عُشب أصْفَر " تُذْريه الرياح ورغم المطَر لا يصله الماء .

بواسطة : عبد المنان ميزي- جدة - نبراس
 0  0  11290

التعليقات ( 0 )

آخر الأخبار