• ×

قائمة

Rss قاريء

رهبة الطائرة / بقلم نايف الخمري - نبراس

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
رهبة الطائرة :
أزعُم أنني من أشد الناس خوفاً عند ركوب الطائرة فعندما أقرر السفر بالطائرة يظل يلازمني هاجس ُرهاب الطائرات الذي يؤرقني وأشعر بشعور غريب قبل السفر بعدة أيام وأعيش حالة من القلق والتوتر الشديدين لدرجة أنني أقنع نفسي بأن أركب رأسي وأعود أدراجي أحياناً ملوحاً بالعدول عن السفر نتيجة الخوف من ركوب الطائرة وهذا الشعور متأطر في نفسي منذ زمن .
ولكن دائماً تسول لي نفسي الأمارة بالسوء بركوب الطائرة مرة أخرى ..
وعندما أركب الطائرة من لحظة الإقلاع إلى وقت الهبوط تكون تجربة مريرة سوداوية تسيطر على عقلي وأشعر بالهوة السحيقة بين السماء والأرض وأنا معلق بالجو ، ولايمكن لي الجلوس بجوار النافذة وأظل متوتراً وأشعر بالوهن أتمتم لنفسي بالأذكار ودعاء السفر وقراءة المعوذات لكي تجلب لنفسي الطمأنينة وأحياناً احتاج لمن يهدئ من روعي لامتصاص بعض القلق والتوتر الجاثم على صدري وأصاب بعض الأحيان بما يسمى بداء الطيران وأظل أتجرع كأس العصير بمرارة الذي تقدمه لي المضيفة الفاتنة الحسناء ذات العيون الخُضر بملابسها الزاهية وابتسامتها العريضة التي ترتسم على محياها وهي تبتسم لي وتتعامل معي بلطف ، عندها أشعر أنها حركت حاستي السادسة وخُيل لي أنني قد أثرت إعجابها بي نظراً لوسامتي الجاذبة وكل ذلك ماهو إلا نتيجة الارتفاع والضغط الجوي الذي سبب لي الهلوسة والأوهام ،
وأحاول أن أشغل نفسي بقراءة الصحف ومشاهدة الأفلام والبرامج غير مكترث بما سوف يحدث وذلك لطمأنة نفسي والاحتفاظ بهدوئي .
ولكن عندما يداهمني الوسواس الخناس بغتة تجدني أحياناً كثير الأسئلة مع الملاحين عن حالة الطائرة ووضعها والتأخير عن الهبوط أو المرور بسُحُب رُكامية وعدم استقرار الطائرة أو اختلال حركتها . وعندما تضيء إشارة ربط الأحزمة نظراً لوجود مطبات هوائية أشعر أن الطائرة سوف تبدأ تتأرجح وأبدأ أتصبب عرقاً وترتعد جميع فرائصي وتنتابني حالة نفسية لاتنتهي إلا بهبوط الطائرة وملامسة عجلاتها سطح الأرض وعندها تتهلل أساريري وأتنفس الصعداء محاولاً استجماع شتات نفسي . وأعتبر نفسي شجاعاً عن غيري ممن لايركبون الطائرة نهائياً . علماً أنني طفت أرجاء العالم بالطائرة ولازلت أمارس طوافي وترحالي وكنت أمضي الساعات الطويلة في الجو أنام وأصحو واعرف الكثيرين الذين يتجنبون السفر بالطائرات نهائياً مهما كانت الظروف ويفضلون السفر عن طريق البروالبحر وأنا لستُ الوحيد الذي يخشى ركوب الطائرة .
فهناك الكثيرين غيري من كبار الشخصيات والمشاهير والأثرياء يخافون ركوب الطائرة وبعضهم إذا اضطرته الظروف يظل يتناول بعض الأدوية المهدئة محاولاً التغلب على الخوف والشعور بالقلق وإزالته والبعض يستخدم الحبوب المهدئة والمنومة لكي تساعده للوصول إلى وجهته خاصة في المسافات الطويلة ،
ومن الذين يخافون الطائرة أمثالي صديقي الفنان عبادي الجوهر والذي قال لي ذات مرة أنه عندما يسافر بالطائرة ينام مباشرة نتيجة الخوف الكامن في صدره فينام كيفما اتفق ويظل مستغرقاً في النوم الهانئ حتى تهبط الطائرة فقلت له أما أنا فأكون مضطرباً أثناء النوم في الطائرة وأحياناً أستيقظ مفزوعاً حيث يقض الخوف مضجعي فهنيئاً لك بالنوم يا أبا سارة .
ومن المشاهير أيضاً الذين يخافون ركوب الطائرة مثلي عارضة الأزياء العالمية كلوديا شيفر التي أصيبت بفوبيا الطيران بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ومن المصابين بفوبيا ركوب الطائرات أيضاً عميد الأدب العربي طه حسين الذي لم يركب طائرة في حياته ..
فكان عندما يسافر إلى أوربا يسافر على متن السفن . وعندما دُعي إلى مؤتمر العلماء العرب في بيروت اعتذر عن السفر إليها بالطائرة وبرر ذلك الاعتذار عن الحضور لاستلام الجائزة في المؤتمر بعدم رغبته في قطع الطريق إليه ـ معلقاً بين السماء والأرض ـ أيضاً الأديب الكبير نجيب محفوظ الذي رفض السفر إلى السويد لاستلام جائزة نوبل للآداب بعد حصوله عليها ـ وكان ذلك ـ بسبب الخوف من ركوب الطائرة مكتفياً بإرسال ابنتيه باستلامها إنابة عنه .
وكله اجتناباً لرهبة الطائرة أما الموسيقار المصري محمد عبد الوهاب الذي أخبرته إحدى المنجمات التي تضرب الودع وتقرأ الفنجان يوماً أنّه سوف يموت بسقوط طائرة وتكون نهايته فيها ،
فأصبح يخاف ركوب الطائرات إلى أن اضطرته الظروف إلى ركوبها في حادثة طريفة وذلك عندما طلب منه الرئيس جمال عبد الناصر حينها أن يسافر إلى سوريا مع وفد كبير يضم مختلف الفنانين فتعلل عبد الوهاب بالمرض فاعتذر عن الذهاب وقد قام بعض المتأبلسين ، بإخبار الرئيس عن عقدة خوفه من ركوب الطائرات..
فأمر الرئيس بحمله ووضعه في الطائرة . وخوفنا من الطائرة هو نفسي وهمي ليس له علاقة بالثقة بالنفس والشجاعة أوالشخصية وقوتها أو ضعفها ولكنها حالة نفسية ، ومن تزايد أسباب الخوف أحياناً أننا نجد من يغذي الخوف فينا كأن يسرد لك البعض مواقفهم التي مروا بها في رحلات سابقة مما يعزز فينا المخاوف ..
والخوف عندما يأتي لايفرق بين الصغير والكبير ولا الأمير وسواق الحمير . ولكي نتغلب على الخوف نحتاج إلى برمجة العقل الباطن لمحاولة التخلص من التوتر الشديد حتى لا يُفسد علينا متعة السفر ..
نايف الخمري / كاتب صحفي
للتواصل / alkhamri2010@hotmail.com

بواسطة : نايف الخمري - نبراس
 0  0  3414

التعليقات ( 0 )

آخر الأخبار