• ×

قائمة

Rss قاريء

يوم التقاعد الجميل

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

د. أمل الطعيمي
image

منذ سنوات قليلة مضت تعالت الأصوات التي تقف من التقاعد موقفاً سلبياً، وتصفه بأنه نهاية غير مرضية للموظفين ، وهناك من حاول أن يرضيهم فعمل على استرضائهم بالمطالبة لهم بنواد خاصة لهم، وكأنهم بحاجة لمعاملة خاصة! أو كأنهم أصبحوا خارج الحياة فيعزلون عن الآخرين في نوادٍ خاصة يندبون فيها حظهم! وهناك من (استخف دمه) وقال إن (متقاعد) تعني مت قاعداً!! وراح آخرون يتفننون في السخرية من حال المتقاعد، وواصل غيرهم اللطم على المتقاعد وحاله ! وأذكر أنني حينها كتبت مقالاً رفضت فيه هذا التفكير غير الإيجابي، وكنت حينذاك أكتب ما أراه حولي من متقاعدات ومتقاعدين سعداء بالقرار الذي اتخذوه قبل سن التقاعد، وسعداء بتقاعدهم إذا وصلوا إلى الستين من أعمارهم وحان الموعد القانوني للتقاعد، ولكني اليوم أكتب وقد اتخذت قراري المبكر بالتقاعد وهو قرار يتخذه المرء بعد دراسة لأحواله قبل وبعد التقاعد ومنهم من يضع له برنامجا لما بعد التقاعد، ومنهم من يختار الراحة والسكون، أو السفر والاستمتاع، فالخيارات كثيرة ومفتوحة وفقا للحالة الاجتماعية والثقافية والمادية لكل واحد منهم. وقد يبدو التقاعد لبعضهم صعباً في بدايته لأسباب متعددة ولكنه بعد مرور فترة قصيرة سيكتشف أنه قدم لنفسه خدمة بهذا القرار؛ فالعاقل والمنصف لنفسه وصاحب النظرة الإيجابية سيرى جوانب مشرقة وكثيرة تحلو بها حياته، ستكون حياة جديدة يملأها بما يريد وبالطريقة التي يختار، وقد أعجبني العميد المتقاعد عبدالله الجبرتي في التسجيل الذي انتشر لقصيدته التي قال فيها وهو يصف حاله بعد التقاعد:

قالوا: تقاعدت، قلت: الخير وأهلا به
تو ابتدا في حياتي عمري الثاني
…مازلت في خير وعيوني تبصرني
ومازلت في خير وأنا حافظ إيماني
رقيت روس المعالي من صغر سني
طلبت ربي من الخيرات وأعطاني
والدرب واسع وأنا عقلي يبصرني
والأفق مفتوح للقاصي وللداني
والصقر لا شك تصعد به جناحينه
الخير قدام والجنحان جنحاني
والدرب ماشي ومن بعدي بيلحقني
والقافلة ما تبا توقف على شاني
وأصحابي أهل الوفا ماني مغيرهم
كلن معه رقم جوالي وعنواني

ما أجملها من نظرة، وما أجمله من تفكير هذا الذي يجعل المتقاعد ينظر لحياته نظرة جديدة ذات نكهات متعددة؛ نكهة البداية بما فيها من رغبة بالتجديد والحماس لممارسة ما يحب، أو نكهة الاستمتاع بالراحة بعد العناء، والتلذذ بما يطيب له عمله وقتما يشاء، وفي أي مكان يريد، بعيداً عن قيود الوظيفة والروتين الذي تشربه لسنوات طوال. هكذا كان شعوري وأنا أضع توقيعي على خطاب التقاعد، أما شعوري حين حل التاريخ المحدد لبدء الحياة الجديدة فهو أكثر جمالاً. لقد كان يوماً عظيماً ملأته بالحمد والشكر لله والامتنان على كل يوم وكل ساعة قضيتها في وظيفتي التي حققت لي كثيراً من الأشياء الجميلة وكانت مصدر رزقي الذي سهل لي أموراً كثيرة. كان يوم شكرت فيه كل الذين كانوا عوناً لي، وكل الذين تعثرت بهم واستطعت بفضل الله تجاوزهم وتجاوز كل العثرات فشكرت الجميع؛ لأني منهم تعلمت وتلقيت دروساً قيمة أضافت لرصيدي في الحياة تجارب غنية، هو يوم تلمست فيه يد الوطن التي كانت على كتفي طوال تلك السنوات فقبلتها وقدمت له الشكر على سنوات تبادلنا فيها العطاء، وهو يوم كنت ممتنة فيه لكل حرف تعلمته ولكل حرف علمته، ولكل طالبة علمتها وأخرى تعلمت منها، شكرت لحظات العناء والانهيار، ولحظات الفرح والنجاح.
مر اليوم على تقاعدي سبعة عشر يوماً ومازال لساني وقلبي وعقلي يلهجون بالشكر والحمد للخالق والمخلوق، كلما استعرضت مسيرتي العلمية والعملية التي بدأت بصورة استدعتها الذاكرة لوالدي رحمه الله وهو يسلمني بالقوة لحارس الروضة التي قاومت الدخول إليها بشدة وانتهت بالخروج من بوابة كلية الآداب مرفوعة الرأس. يوم التقاعد الجميل أطلق العصفورة في داخلي لتطير حيثما شاءت، ولتستمتع على كل غصن تختاره وهي تردد: نعم، إنها البداية.

بواسطة : د. أمل الطعيمي
 0  0  2385

التعليقات ( 0 )

آخر الأخبار