• ×

قائمة

Rss قاريء

عجوزٌ والتسعة فوق التسعين

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الأستاذة هنادي عباس

في الأيام الماضية وانا أتجول في معرض الرياض الدولي للكتاب في دورته التاسعة، وعلى غرار عملي بعضوية القياس والاستطلاع، لفت نظري لبرهة أمر أبلغ من كل المسميات، تستطيع أن تصفه بالموقف الإنساني البحت، لكن تجلت الإنسانية حين شاهدت مشهدا أبلغ كما يقال من الكلام، وهنا أظن بأن البلاغة تكمن في دهاليز المعاني وجوف التعابير.

لقد شاهدت رجلا راشدا رسمت الحياة على وجهه تفاصيلها وآلامها وخطوطها العرجاء، ورغم تقاسيم الأنين على وجهه لكن لا زال في قلبه الحنين.

ستقولون عنه للوهلة الأولى مسكين،، سأقول بل هو يعرف ويعي، كيف لا؟ وهو يتجول في أروقة المعرض الذي لطالما كان حكراً على المثقفين وأصحاب الفكر والعارفين لأجل أن ينهل من معينه..

وتبلغك الدهشة مبلغها.. حينما تشاهده ممسكا بيدي والدته التي فاق عمرها -وفق نظرتنا- العمر المعرفي إذ نحجم في سبيلنا الشرقي عن المعرفة بعد الستين، لكن والدته بلغت السبعين، وأكملت الثمانين، وأصبحت في سن العجز لبلوغها التسعين.. ومع ذلك اصطحبها في جولة معرفية، وبكل حب وقنوع وعرفان لتضحيتها السنين، فلم يأبه بمن حوله، ولم يخش من قولهم: من هذه مع هذا المسكين، بل كانت عيناه تعتز بها، وتكاد تنطق: أنت أمي وفخري نعم أنت أمي وعمري، يا بلسم الجراح، كأنه وهو يتجول بها تراوده خلجات نفسه بالقول: أنت معرفتي التي استمديت منها عقودا وسنينا، فكنت لي معينا حينما أبحرت في الحياة، وبك عرفت حقيقتي، وأوقدت فيني جمرة الحب للعلم وللدنيا.. لأعجز عن تكريمك اليوم..

نعم.. فكم هي حاجتنا لنماذج لا تعرف حدودا لآفاق المعرفة.. ولا تنس الجميل والعرفان مهما امتدت السنين.



بواسطة : كاتبة
 0  0  302

التعليقات ( 0 )

آخر الأخبار