• ×

قائمة

Rss قاريء

مكارم الخلق

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الأستاذة فتحية منديلي

الخلق في اللغة : هو السجية والطبع والمروءة والدين ، وفي الشرع : هوحال في النفس راسخة تصدر عنها الأفعال من خير أو شر من غير حاجة إلى فكر ورَوِيّة، والمكارم هي أيضاً حال في النفس راسخة في القلب تصدر عنها أفعال الخير فقط من غير فكر وروية .

ويعد الخلق عنوان الشعوب ومعيار يضيء الدروب للعلاقات الإنسانية والتعاملات البشرية هو أسلوب تفاهم ولغة تخاطب يربط بين الناس بعضهم بعضا؛ وهو أساس الحضارة ومقياس العمارة به تنهض الأمم وتستمر القيم وتستقر الأمور وتهدأ النفوس وتطمئن القلوب وقدحثت عليه جميع الأديان ونادى به المصلحون وتغنى بها المبدعون في قصائدهم الوديعة التي مجدوا بها الأخلاق الرفيعة ومن أشهر بيت ترنم به أمير الشعراء أحمد شوقي عن الخلق عندما قال : ( وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت .... فـإن هُمُوُ ذهبــت أخـلاقهم ذهــبوا )

فمكارم الخلق؛ هي سجية نادرة لا يهبها الله إلا لعباده الأخيار المصطفين المكرمين لأنها صفة من صفات الأنبياءوالصديقين والصالحين بها تنال الدرجات وترفع المقامات وتجزل المكرمات وتجبى العلاوات فإن عمل بها الإنسان زادته مكانة وإن أزاحها عنه هوته في المهانة ، وخص الله جل وعلا بهذه المكرمة المجيدة محمد عليه الصلاة والسلام بآية جمعت له محامد الأخلاق ومحاسن الآداب عندما قال ( وإنك لعلى خلق عظيم ) فهذه المكرمات الخلقية التي وهبها رب البرية لسيد هذه الأمة والمصطفى منهم في القمة يهبها أيضاً لكل عبد أصطفاه وحازعلى رضاه فهذه المكرمات لم توهب للعبد عبثاً ولم تترك سوداً بل منحت لحكمة مبجلة وسخرت لحاجة ممجدة ، لأن آثارها جليلة وعملها ذا قيمة توجب التحاب وتشيع التآلف وتزرع التضامن وتسمو بها المآثر وتصنع بها المعالم وتنجم منها أمة لا يهزمها غالب، ولا يشكمها ضيم ولا يوهنها غيم ،

هكذا كانت القدرة الإلهية والعطية الربية التي أوصلت الأمم للمجد والرقي؛ أما سوء الخلق فلا يثمر سوى التباغض والتدابر ويجني التحاسدوالتآمرويولدالتلاحم والتطاحن التي ينحدر بالمجتمع إلى هاوية الهلاك والدمار، لذا فقد مجد المصطفى هذه السجية عندما جمع بين التقوى وحسن الخلق وقال ( أكثر مايدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق ) الذي يبدو على الإنسان بأريحية ويظهره بطلعة بهية ويقدمه بهيئة جمالية تتجسد في طلاقة الوجه وبذل المعروف وكف الأذى عن الناس وتلازمه بقيمة سلوكية بكلام حسن ومدارة الغضب وترفعه بإحتمال الأذى وفعل الإحسان ، وتبره كمالية وصل من قطعه والعفو عمن ظلمه والعطاء لمن حرمه ، فالله جل في علاه يجزي الأجر العظيم والثواب الجزيل والخير الوفير لهذه المنقبة المحمودة والخصال الممجودة والصفات الممدوحة والمزايا المرموقة التي حث عليها رسولنا في قوله أن حسن الخلق من كمال الإيمان منوهاً أن (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)

وأشاد عليه الصلاة والسلام بالمكانة العظيمة والمزية الجليلة التي تميزت بها هذه السجية لما لها من أهمية وقيمة في قوله"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" فهذه العبارة لهامعنى كبير ومغزى قديرنتفيأ ظلالها لتشرق أنفسنا بأنوارهاولنستفيد عقولنا بأضوائها، ففيها حدد الرسول الغاية من بعثته ووضح فيها العناية بمأربه الذي كلفه الله به أن يتمم رسالته الإلهية ويكمل مهمته النبوية يالها من مهمة مجيدة ورسالة مهيبة غرضها فيه رفعة أكيدة وسمو بعيدة في نفوس أمة هذا الكون التليدة ترتقي بهم بالتعامل بقانون الخلق الحسن الذي ليس فوقه قانون ، لأن التحلي بالخلق المحمود، والبعد عن الفعل غير المرغوب يؤديان بالإنسان إلى تحقيق أهدافه النبيلة والوصول إلى ماهو ذا رفعة وقيمة ؛ إلا أنه مايحضرنا في وقتنا الراهن المتكتل بالتزاحم البشري والمتزامن بالتطور التكنولوجي والمتأجج بالفضائيات والمتصارع بالتيارات والمتجلجل بالمرئيات التي أحدثت الصراع الفكري والنزاع البشري والتواري الخلقي والتأرجح القيمي والتخبط السلوكي لاختلاف المعايير واختلال المقاييس ، لامناص إلا أن نفيق بصحوة تعينُ فض هذا التلاحم وتقلص هذاالتلاحم المندلع بين الفينة والفينة والمشتعل كل وقت وحينة بين بنو البشري،

ووسط عجالة الزمن وتسارع العمل المحاولة حتماً اللحاق بالتيارات العصرية التي تتوانى غالباً عن تحقيق الأهداف الذاتية ، دونما إعتبار لما يجب التمسك به تحت شعار المكارم الخلقية التي ربما قد أندثرت من جراءالاستمرارية في زيادة عدد السكان الذي قد حال دون ذياع مكارم الخلق وأعاق تداولها بين كافة الناس ؛ فما أجدانا تحت وطأة هذه الظروف إلا أن نقف وقفة تأملية وهوينة استرجاعية لما أنتهجه السلف من سلوكيات خلقية كان لها أبعد الأثر في احتواء الخلق وتقمص مكارمه واعتناق مبادئه والترفع بفضائله هو نهج وديع وفعل فريد بدرٓ ٓمن خير الأنام البررة الكرام الأنبياء المرسلين والصفوة المحبين لرب العالمين الذين تمكنوا بمنهج خلقهم الزهيد وسلوكهم الرفيع تأسيس دول مجدية وبلاد مبهرة عظيمة المكانة قويمة السيادة بفخر وكرامة وعز وقوامة ، ذاك هو النهج الرباني الذي تحلى به ىسيدنا يوسف الأمين على خزائن الأرض المكين ذاالمقام الرفيع والخلق العظيم الذي أبداه عندما رأى إخوته ولأول وهلة بعدما فعلوا فيه الإساءة ونكلوا به بالدنأة، حينها وصف سبحانه وتعالى هذه السجية التي تجلت في نفس يوسف الأ بية قائلاً ( فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم ) أي لم يظهرلهم حقداً ولم يرد عليهم هفواً، بل عفا وأصفح عنهم صفحاً جميلاً لالشيء بل إمتثالاً لأمر الرب ليكسب رضاه ويحظى بعلاه ويجزيه نعيم قضاه ويقين بقاه ،إنها القوة الإيمانية والقناعة الإرادية والعظمة الجزائية التي وهبها الخالق ليوسف عليه السلام ، والتي سوف يهبها الباري الكريم الحليم لكل إنسان عفا وأصفح وسامح وأفلح مؤكداً في قوله العليم ( فاصفح الصفح الجميل ) لأن العفو والصفح هما فضيلتان للإنسانية ومقياس للإستمرارية وشعار لتقدم البشرية ، بهما يسود الوئام وبهما يعم السلام وبهما يستقرالأمر وبهما يحل الأمن وبهما ينهض الخلق،

هكذا كانت الصورة الإنسانية والمرآة المثالية والمكانة الخلقية التي إنعكست من خلالها شخصية سيدنا يوسف الرزينة العقلانية الدالة على قوة صبره ورباطة جأشه وفيض يقينه الذي اعتقد به أن مع العسر يسر وأن مع الضيق فرج وأن بعد الغم بشر وأن بعد الهم فرح، هي قوة إيمانه استحوذت نفسه وسيطرت على كيانه وسكنت قلبه وتحكمت بعقله قناعة إرادية للعظمة الجزائية التي اصطفاه بها خالق الخلق ومدبرالأمر، استطاع بها يوسف أن يقف صامداً صاداً لما ألم به من غدر الزمان وتألب المكان ، ولا يعني استيقافه الإجابة على إخوته والرد عليهم عدم وجودالرد المناسب لهم بل لزم الصمت ليدع الرد يصل إليهم فيما بعد مع توالي الأيام وإلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا، رحم الله امرءًا كتم سرًا، وتنازل عن حقاً ليؤلف القلوب ويقطع الشرور ويزيل الضغينة ويزرع الطمأنينة لتصفى النفوس وتتحد الصفوف تلك هي الصورة الخلقية التربوية والمكرمة الربانية والقدوة الإيمانية لمكارم الخلق الذي ترك بصماتها يوسف عليه السلام ب أنموذج مثالياً وعلماً حقيقياً بخلقه الكريم وأسلوبه الحليم الذي خُلد رمزاً شامخاً عبر التاريخ .

بواسطة : فتحية منديلي
 0  0  336

التعليقات ( 0 )

آخر الأخبار