• ×

قائمة

Rss قاريء

فوضى الترجمة في المشهد الثقافي السعودي!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

تركت وزارة الثقافة منذ إعلانها وزارة مستقلة في يونيو 2018، بقيادة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان، بصمات واضحة لا تخطئها العين على المشهد الثقافي في المملكة.
وعلى الرغم من الفترة القصيرة على إنشائها، إلا أنها كانت صادقة من حيث الالتزام برؤيتها ورسالتها، فقد أطلقت 27 مبادرة ونظمت عشرات البرامج والفعاليات والمشاريع للارتقاء بالشأن الثقافي بجميع أبعاده، وتشكيل الوعي وتعزيز الهوية الثقافية الوطنية ضمن منظور رؤية 2030 م التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي كان حريصا منذ توليه أمانة المسؤولية على الالتقاء بالنخب الثقافية في البلاد.
منذ تولي وزارة الثقافة، حرص الأمير بدر على ضخ دماء شابة ومؤهلة فيها، وتنظيم الأنشطة الثقافية والأندية والمهرجانات والمعارض، مما أدى إلى الحد من التشوهات على الساحة الثقافية بجميع أبعادها، وإن لم يقضِ عليها كلها لأن بعضها تركة ثقيلة من الماضي، يحتاج تغييرها إلى وقت وصبر طويلين.
مما لا شك فيه أن الحديث عن وزارة الثقافة وأهميتها واستراتيجيتها لا ينتهي ولا يمكن أن نغطيه في مقال قصير. لكنني أردت أن أتناول مجالا واحدا من مجالات اهتمام الوزارة هو مجال الترجمة.
في 30 سبتمبر من كل عام تحتفل الأمم المتحدة والاتحاد الدولي للمترجمين باليوم العالمي للترجمة، لتذكير العالم بدور المترجمين وجهودهم في ترجمة الإبداع العالمي وتعزيز التفاهم بين الشعوب.
وما لفت نظري هو أن وزارة الثقافة قد أولت هذا الجانب اهتماما كبيرا، سواء من خلال برنامج «ترجم» أو برنامج التفرغ الثقافي وتأسيس صندوق «نمو» الثقافي، وإطلاق برنامج الابتعاث الثقافي، وتنشيط قطاع الأدب والترجمة والنشر وتعيين الأستاذ محمد حسن علوان رئيسا تنفيذيا لهذا القطاع.
تقول بعض الشبكات والمواقع الإلكترونية المعنية بالترجمة إن في المملكة 1602 مترجما وأستاذ لغويات سعوديين وعربا، يعملون في الجامعات والمؤسسات والشركات الرسمية والخاصة، لكن المتابع لا يكاد يلحظ وجود هذا العدد لانعدام وجود قاعدة بيانات بأسماء المترجمين أو دراسات عن الأعمال المترجمة، اللهم باستثناء الفهرس الذي تصدره مكتبة الملك فهد الوطنية.
من المعروف أن الترجمة لم تعد تمثل مصدر دخل ثابتا للعاملين فيها لأسباب كثيرة، منها انتشار الترجمة الآلية وتراجع حب القراءة والمطالعة، والفوضى الطاغية في سوق الترجمة التي تتسم بالرداءة في بعض الأحيان، نظرا لبحث الجهات المترجِمة عن الربح على حساب الجودة.
وغني عن القول أن عملية الترجمة تُعد من أرقى فنون الأدب، لأنها تحتاج إلى ثقافة عالية وحس مرهف وشغف وحرفية وتخصص وإتقان لأكثر من لغة، لكن ما يؤسف له هو أن ساحة الترجمة أصبحت مزدحمة بالطارئين على هذه المهنة، بينما غاب المبدعون عنها.
وما زاد من تردي هذا الوضع انتشار بعض مراكز الترجمة التي لا تراعي المعايير، بل يقال بأن هناك «مافيا» تتحكم بمسار الترجمة في بعض المؤسسات الخاصة والاعتبارية، يديرها أشخاص يستغلون مناصبهم لغايات التنفع بعيدا عن المساءلة والرقابة، وهذا أمر ربما لا يدخل ضمن اختصاص وزارة الثقافة.
لكن المراقب لحال الترجمة في المملكة يمكن أن يلاحظ أن ملايين الريالات تذهب إلى مكاتب ترجمة في الخارج ولا يستفيد منها السوق المحلي.
ونحن لا نعترض على الاستفادة من الخبرات والكفاءات العربية التي أثبتت حضورها في عالم الترجمة، لكننا لا نفهم كيف تكلف بعض دور النشر ومكاتب الترجمة السعودية مترجما مبتدئا أو مكاتب الترجمة الجماعية في بعض العواصم العربية، التي يمكن أن تترجم كتابا من ألف صفحة، مثلا، في يوم واحد، ونستبعد الكفاءات الموثوقة والمؤهلة!
بالمقابل، يبدو أن موجة التغيير التي اندفعت من بوابة وزارة الثقافة قد أخذت كثيرين على حين غرة، خاصة «أولئك الذين استراحوا على هامش مشهد ثقافي بطيء الحركة»، كما يقول الزميل علي فايع في مقال له في أكتوبر 2019 بعنوان «الأكاديميون وتراجع المشهد الثقافي».
إن المطلوب من هؤلاء، خاصة أساتذة اللغويات، اقتحام المشهد لإثبات حضورهم، وعدم الانزواء داخل الحرم الجامعي، وعليهم تدريب طلابهم على عملية الترجمة بدلا من الاكتفاء بإلقاء المحاضرات.
وأن تستخدم ترجمة الكتب الأكاديمية لغايات الترقية الوظيفية.
ما المطلوب؟ باعتقادي أن على وزارة الثقافة أن تجري دراسة شاملة للمشهد الثقافي. ماذا نترجم وكيف ولمن؟ من هم المترجمون؟ ما مكاتب الترجمة السعودية والمحلية؟ ومن يعمل فيها؟ ما أسعار الترجمة؟ ومن يحددها مامعايير المتبعة ،وكيف تتم عملية التقييم والتحقيق والمراجعة الموضوعية وألياتها بعيدا عن الربحية السريعة والأهواء الشخصية

بواسطة : الدكتور طلال بن سليمان الحربي
 0  0  53

التعليقات ( 0 )

آخر الأخبار