• ×

قائمة

Rss قاريء

عـــــدتُ .. وقد ر حـــــل القـــــــوم! 

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
* د. منير بن علي القرني
المستشار بوكالة وزارة التعليم لشؤون التعليم
العالي والملحق الثقافي في لبنان سابقاً

image

قضيتُ في رحاب دولة استراليا مرحلةً من العمر جميلة؛ وذلك لحضور برنامج تدريبي في المجال التعليمي، حيث ابتعثتُ له رسمياً من قبل وزارة التعليم العالي آنذاك، وكان ذلك في ظل عهدها الوزاري السابق، وقبيل عودتي إلى أرض الوطن الغالي كتبتُ مقالاً حظي بالقبول والاستحسان ، وفيه قد قلتُ (سأعود) واليوم ها أنا ذا بحمد الله قد (عدتُ) .. نعم عدتُ فكان العود أحمد والإياب أجمل، فقد باشرتُ عملي بوزارة التعليم، وهي في ثوبها الزاهي الجديد، بمسمىً جديد، وبقيادة مسؤولين أجلاء جُدد.

وبعد عودتي من السفر وفي أول يوم من مباشرة العمل رأيتُ أنَّ من واجبي الأدبي أن أبحث في محيط الوزارة عن بعض مسؤوليها السابقين، والذين تركتهم خلفي وهم ينعمون على كراسيهم، بدأتُ أفتش عنهم بين جدران الوزارة، لأُبادلهم السلام وأُجدِّد بهم العهد.. بحثتُ عنهم هنا وهناك، وتجولتُ في أرجاء الوزارة ولساني لا يفتر عن السؤال عنهم، ولكنني لم أجد من يرشدني إلى مكانهم أو يُجيب!.

فقررتُ أن أذهب إلى تلك المكاتب التي كانت مرتبطةً بأسمائهم ومنفردةً بحملها من بين كل الأسماء...قلتُ لعلي أن أجدهم حيث عهدي السابق بهم، غير أن المفاجأة التي أذهلتني هناك أنني لم أجدهم على كراسيهم السابقة والتي كانت دهراً خالصة لهم من دون الناس !! يا للعجب أين فلان وفلان ،أين من كانوا بالأمس ملء السمع والبصر، أين أولئك المشرفون، أين المديرون العامون، أين المستشارون المقرَّبون.. أين تلك الأسماء الرَّنانة التي كانت تأمر وتنهي وتُسمع وتُطاع! *أين القرارات التي خطُّوها، والامتيازات التي نالوها، والاجتماعات التي أداروها، بل وأين تلك الخطط التي حبكوها.. أين ذهب كل ذلك يا تُرى، وماذا عن أولئك الذين كانوا بالأمس هنا! فكانت الإجابة: أنهم قد رحلوا وانتهى معهم كل شيء! *فاستوقفني هذه المشهد، وأخذتُ أسرح بفكري فيه، حتى ساقني ذلك إلى تأمل الكثير من مُتع الدنيا التي لا تدوم، وفي بريقها الذي سرعان ما يزول! نعم هذا هو شأن الدنيا.. أيامها دول، وكراسيها دوَّارة، ودوام الحال فيها من المحال! لذا فإن من الواجب علينا أن نُـدرك هذا المعنى مُبكِّراً، فلا نغتَّر بالأضواء الزائفة، ولا أن نوالي ونعادي من أجل متعها الزائلة، يجب أن* لا نسمح للمناصب أن تُغيِّر من أخلاقنا أو تُزعزع شيئاً من مبادئنا وقيمنا، إن الواجب على كل من تولَّى كرسي المسؤولية أن يؤدي مهامه بكل إخلاص وأمانة.. عليه بالرفق والعدل والنزاهة .. عليه أن يكافح الفساد ويراعي الصالح العام، والمأمول منه أن يفتح قلبه للناس قبل باب مكتبه؛ ليسمع الشكاوى والمطالب، ويسعى بصدقٍ في قضاء الحوائج، يفعل كل ذلك إرضاءً لربه الذي يجب من العبد إتقان العمل، ثم تنفيذاً لتوجيهات القيادة الرشيدة الحازمة ـ أيَّدها الله ـ والتي تحدث المسؤولين دائما بأداء واجبهم تجاه المواطنين بكل تفانٍ ومصداقية من خلال احترافية مهنية عالية لا تعرف المداهنة والفساد، ولا ترضى في العمل بالتباطئ والتقاعس .. وبعد هذا كله فمتى قام المسؤول بواجبه على أتم وجه ثم أتى اليوم الذي يترجَّل فيه عن منصبه، فسيترك خلفه أثراً طيباً لا يمكن للزمان أن يمحوه، وسيظل ذكره الحسن عالقاً في الأذهان ومالئً لكل الأرجاء.. وهنا يقع تساؤلٌ كبير، كم من مسؤولٍ بعد أن ترك مكانه قد جعل له في سماء المجد بصمات، وكم من آخر لم يضع وراءه أثراً، ولم يترك له في المكارم ذكراً ولا ذكرى !! ألا فليعفو الله عمن سلف، ويُسدِّد ويعين مَنْ خلف، ويجعلنا وإياهم وكل موظفٍ ومسؤول ممن أدى أمانته المهنية بالقدر الذي يُبرئ الذمة أمام الله، ثم أمام ولاة الأمر أيَّدهم الله .. إننا لسنا في الحياة بُمخلَّدين، ولا في مواقعنا الوظيفية بدائمين، لذا يجب أن نترك خلفنا آثاراً جميلة طيبة؛ لتظل حاضرة في الأذهان، حتى وإن غبنا وابتعدنا عن العيان.. يجب على كل إنسان *أن ينقش له في سجل التاريخ اسماً طيباً كريماً، ليظل كلما ذُكر في الملأ، أُثني عليه، ودُعي له، وشُكِر.. وهذا من عاجل بشرى المؤمن ، والناس شهداء الله في أرضه ،إنها دعوة من القلب لكل من له قلب أن يُخلِّد له من الآن الذكرى الطيبة،والطيبة فقط، وليحذر تمام الحذر من أن يترتبط اسمه بما يكون عكس ذلك! .*

نعم فمن الآن خلِّد ذكراك بنزاهتك وثباتك، أو بتواضعك ولين جانبك، أو بتعاونك مع الناس وجميل تعاملك، أو بغير ذلك من جميل مناقبك.

أفعل كل ذلك وأنت مخلصٌ لله، ومتجنبٌ لكل مظاهر الرياء والسمعة وبإذن الله بعد أن تمضي وترحل ستظل عند العباد عطر السيرة ، وعند المولى سبحانه محمود السريرة.

إن هذه التجليات العميقة أتتني وأنا أشاهد رحيل بعض الزملاء السابقين والذين لم يدر في خلدهم يوماً أن يكون لغيرهم البقاء ولهم الرحيل!

ولنتذكر أن الله عندما رفع قدر يوسف عليه السلام بعد تلك المحنة العجيبة ثم أظهره على أخوته ورفع منزلته بينهم حتى قالوا له وهم معترفون بفضله ********{ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا} عندها ختم الله قصتهم العظيمة والمليئة بالدروس الجليلة بقوله سبحانه: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ}.

وإنني لأرجو وأطمح أن يكون كل ما ورد في هذا المقال عظةً للجميع ودرساً وعبرة.

وإلى المزيد من الدروس والتجليات القادمة بإذن الله.

*

*

بواسطة :   د. منير بن علي القرني المستشار بوكالة وزارة التعليم لشؤون التعليم العالي والملحق الثقافي في لبنان سابقاً
 36  0  3140

التعليقات ( 36 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    15 أكتوبر 2015 10:34 مساءً سعيد :
    اهلا بعودة صاحب النزاهة.. اهلا بكم دكتورنا الحبيب*
  • #2
    15 أكتوبر 2015 10:47 مساءً Majed :
    *هذه سنة الكون.. يرحل المسيئون ويفنى ذكرهم ويبقى اصحاب الوفاء والاخلاق بذكرهم العطر..
  • #3
    15 أكتوبر 2015 10:51 مساءً عبدالله :
    حياك الله دكتور منير في بلدك الحبيب مرة اخرى من جديد
    كلنا امل ان تنال الاحسان الذي تستحق.
    كل الود والاحترام
  • #4
    15 أكتوبر 2015 10:55 مساءً طال الزمااااان :
    حمدا لله على السلامة دكتور
    بالفعل ها قد عدت وقد حصل التغيير للافضل*
    والامل بك وبامثالك كبير...........وفقك الله لما يحب ويرضى
    • #4 - 1
      15 أكتوبر 2015 11:22 مساءً ابو بدر :
      اهلا وسهلا بعودك ياصاحب النزاهة
      مرحبا الف بك في العاصمة الحبيبة الرياض*
      إخلاء بي الحبيب الغالي دكتور منير القرني*
      رفعت راسنا بالصدق والأم
  • #5
    15 أكتوبر 2015 11:24 مساءً ابوريان سعيد القحطاني :
    مرحباً ملايين ياغالي وكثر الله من امثالك واسئل الله أن يرزقك الدرجات العليا فى الدنيا والآخرة
  • #6
    15 أكتوبر 2015 11:24 مساءً Abeer Loubani :
    بوركت يا دكتور منير كلماتك اتت في الصميم والعمق ربنا جملها معنا بالستر والذكر الحسن
  • #7
    15 أكتوبر 2015 11:26 مساءً ابوريان سعيد القحطاني :
    مرحباً ملايين ياغالي وكثر الله من امثالك واسئل الله أن يرزقك الدرجات العليا فى الدنيا والآخرة
  • #8
    16 أكتوبر 2015 12:27 صباحًا العبد اللطيف :
    صدقت والله ايها الرجل النبيل.
    لسنا بمخلدين.. غدا كلنا يرحل ولا يبقى الا الذكر الحسن والعمل الصالح وكثر من الناس لا يعلمون
    كم نتمنى ان يتم رد الاعتبار لك بعودتك الميمونه هذه
  • #9
    16 أكتوبر 2015 12:41 صباحًا جرح واندمل :
    نعم فمن الآن خلِّد ذكراك بنزاهتك وثباتك، أو بتواضعك ولين جانبك، أو بتعاونك مع الناس وجميل تعاملك، أو بغير ذلك من جميل مناقبك.

    ما اجمل هذا الكلام يا جميل الاخلاق
  • #10
    16 أكتوبر 2015 12:54 صباحًا ندى :
    ما شاء الله.. نورت الرياض دكتور منير
    مع كل الود والتقدير
    من طلابك في بيروت
  • #11
    16 أكتوبر 2015 12:58 صباحًا المغترب :
    يحسب ان ماله أخلده*
  • #12
    16 أكتوبر 2015 01:39 صباحًا بن شلاح :
    مقال رائع د منير ويحتاج وكم من اهل خير غادروا ودعوات اهل الخير تصاحبهم حتى بعد مماتهم وكم ممن عطل مصالح ومعاملات المراجعين ودعوات السخط تلاحقه حتى بعد مماته فمنهم من غفر لهم ومنهم من يريد القصاص منهم بسبب كبريائهم وظلمهم*
  • #13
    16 أكتوبر 2015 03:12 صباحًا ابا ريماس :
    مقال رائع جداً ملي بالعبر والنفع للجميع وخصوصا لمن يتقلدون المناصب ، ليعتبرو بمن سبقوهم ويزرع الطيب ليبقى أثرهم بعد رحيلهم وذكرهم خالد في ذاكرة الجميع
  • #14
    16 أكتوبر 2015 07:21 صباحًا Sultan :
    تستاهل الخير كله ------ سلمت يمناك وبانتظار المزيد من مقالاتك الغنية*
  • #15
    16 أكتوبر 2015 07:24 صباحًا محد البقمي :
    ان الله يمهل ولا يهمل... وكفى بالله وكيلا...
    عملت واخلصت واجتهدت وواجهت بالحق ولم تسكت... ولا يضيع حق وراءه مطالب
    يا هلا بك من جديد... وفقك الله
  • #16
    16 أكتوبر 2015 07:46 صباحًا المسامح كريم :
    جميل مقالك . معبرة كلماتك. صفحة جديدة تفتح في قاموس النزاهة والشفافية . كنت المسامح ونلت جزاء ذلك فبقيت انت ورحل من اذوك.
  • #17
    16 أكتوبر 2015 08:00 صباحًا ربيع الكعبي :
    متجدد دائما بمقالاتك د منير وقد قرات لك اكثر من مقال وفي كل مرة التمس الكثير من كرم اخلاقك وفيض احاسيسك.
    مزيه كنت وستبقى وهذا املنا بالوضع الجديد
    وعسى لقاء قريب ننهل من نبع مدرستك
    مودتي
  • #18
    16 أكتوبر 2015 08:31 صباحًا راشد السعيد :
    حياك الله دكتور منير واهلا بك من جديد
    نلتقي على المحبة دوما
    اسعدتنا بمقالك المليء بالعبر والعظات
    علنا نراجع حساباتنا فكل ابن ادم خطاء....
  • #19
    16 أكتوبر 2015 08:44 صباحًا Maryam-n :
    مقال رائع بكل معنى الكلمة
    بوجود امثال الدكتور منير لن نفقد الامل بالرقي والوصول الى اعلى درجات النزاهة والشفافية تحت ظل مليكنا اطال الله بعمره وهيء له رجال بطانة خير واصلاح
    تحية من القلب لك دكتور منير
  • #20
    16 أكتوبر 2015 08:47 صباحًا سليمان :
    اهلا بابن البلد البار.. اهلا بصاحب المواقف الشجاعة.. اهلا بالحبيب دكتور منير القرني اسهدتنا والله بكلماتك المؤثرة
  • #21
    16 أكتوبر 2015 01:15 مساءً قديم :
    بوركت د منير ، هكذا هي الدنيا وإن أردت حكماً على رجل فقلده منصباً ، وستعرف حينئذ معدنه ، هي أيام تمضي لنا أو علينا ولعمري أن السعي في قضاء حوائج المسلمين لهو الفوز ، عرفتك زميلاً وصديقاً وأخ رغم ماحصلت عليه من شهادة ورغم ماتقلدته من مناصب وأنت كما أنت ، رحم الله والديك فقد أحسنا تربيتك حفظك الله من شرور الدنيا وشرور المتاصب*
  • #22
    16 أكتوبر 2015 06:35 مساءً أبو إبراهيم :
    الحمد لله على سلامتكم
    *وأسأل الله تعالى أن يهيئ لهذا البلد الرجال المخلصين
    في ظل قيادتنا وفقهم الله وأعانهم
  • #23
    16 أكتوبر 2015 06:54 مساءً سليمان :
    اهلا بابن البلد البار.. اهلا بصاحب المواقف الشجاعة.. اهلا بالحبيب دكتور منير القرني اسهدتنا والله بكلماتك المؤثرة
  • #24
    16 أكتوبر 2015 07:00 مساءً نجم الدين :
    يرحل الانسان ولا يبقى الا الذكر الطيب والعمل الصالح
    دكتورنا الحبيب مرحبا بكم من جديد*
  • #25
    16 أكتوبر 2015 07:02 مساءً محمد السدحان :
    صح لسانك دكتور منير
    نتمنى لكم التوفيق والنجاح بمنصبكم الجديد
  • #26
    16 أكتوبر 2015 08:00 مساءً ام ادهم :
    الحمد الله على سلامتك
    لايترك الانسان من خلفه الا الذكرى الطيبة ام الدعوة الصالحة عند ذكر اسمه او حمد الله انه غادر
    جعلنا الله ممن يتركون الذكرى الصالحة
  • #27
    16 أكتوبر 2015 11:14 مساءً dyi :
  • #28
    16 أكتوبر 2015 11:59 مساءً أبو المنذر :
    كبد الحقيقة أصبت.... وأهل البغي والفساد لا بواكي لهم... وإلى مزبلة التاريخ... والعقبى للفاسدين والمفسدين في بقية الميادين
    حييت يا دكتور منير*
    المعادن النفيسة نادرة كندرتكم
  • #29
    17 أكتوبر 2015 06:35 صباحًا ابو نواف :
    احس يا دكتور ان مقالتك فيها نوع من الانتقام ورد الاعتبار على أناس وقفوا أمامك مع العلم انهم ساندوك ووأكرموك*
    ويكون افضل لو كلمة شكر لهم بدل الانتقاد*
    ووجودك في دورة في استراليا اكير دلي على دعمهم لك*
    فالتقاعد افضل لك عن العودة للعمل*
  • #30
    17 أكتوبر 2015 08:25 مساءً جمعه :
    مقال جميل والاجمل صفاء قلبك وكرم اخلاقك
  • #31
    17 أكتوبر 2015 08:27 مساءً الحربي :
    مهما طال الزمان ومهما غاب الحق فانه سيعود يوما لاصحابه
    عدت ايها الرجل النبيل وستعود معك بصماتك الجميلة*
  • #32
    17 أكتوبر 2015 08:29 مساءً يقيني :
    اهلا بك دكتور منير.. اسعدتنا باطلالتك وبمقالك الرائع
    كنت على يقين دوما بانك ستستعيد مكانتك التي تليق بك في هذا الوطن الجميل
    دمتم بخير
  • #33
    17 أكتوبر 2015 08:33 مساءً الجابري :
    من يقرأ هذا المقال سيتاكد تماما ان الخير واصحابه والعفو ورجاله لم يختفوا وسيكون هناك دوما امثال هذا الرجل الرائع دكتورنا العزيز الدكتور منير القرني
  • #34
    17 أكتوبر 2015 08:35 مساءً سمو و رقي :
    مقال غني ومثري
    سموت باخلاقك وارتقيت بتعاملك مع من اساؤوا اليك فنلت الاحسان والجزاء الكريم
    وفقك الله دائما للخير*
    محبك
    جواد
  • #35
    19 أكتوبر 2015 12:32 صباحًا سمو و رقي :
    مقال غني ومثري
    سموت باخلاقك وارتقيت بتعاملك مع من اساؤوا اليك فنلت الاحسان والجزاء الكريم
    وفقك الله دائما للخير*
    محبك
    جواد
  • #36
    20 أكتوبر 2015 05:37 صباحًا أحمد حسن السيد :
    يبقى الحق ويذهب الزبد الجفاء*
    مقال رائع بديع سعادة الدكتور منير

آخر الأخبار